يُعَدّ سماحة مفتي زحلة والبقاع الشيخ خليل بن محيي الدين بن حسن الميس رحمه الله تعالى من أبرز أعلام النهضة الدينية المؤسسية في لبنان الحديث، إذ جمع بين الرسوخ العلمي في الفقه وأصوله، وبين الرؤية الإصلاحية التي ترجمت العلم إلى مؤسسات رائدة، فغدا اسمه مقرونًا ببناء الإنسان وبناء الصروح العلمية معًا، ولا سيّما في بيئة البقاع التي شهدت على يديه تحوّلًا نوعيًّا في واقعها الديني والتعليمي.
وُلد سماحته سنة 1941 في بلدة مكسة البقاعية قضاء زحلة، ونشأ في كنف أسرةٍ محافظةٍ عُرفت بالتديّن، فشبّ في بيئة قروية بسيطة، كانت الطبيعة فيها مفتوحةً على التأمل، والدين متغلغلًا في تفاصيل الحياة اليومية، وهو ما أسهم في توجيه ميوله المبكرة نحو طلب العلم الشرعي. تلقّى دراسته الابتدائية في بلدته ثم في بلدة قبّ إلياس، قبل أن ينتقل إلى الكلية الشرعية في بيروت (أزهر لبنان)، حيث أقام في القسم الداخلي خمس سنوات، متفرغًا للتحصيل العلمي، حتى تخرّج سنة 1961 حائزًا الشهادة الثانوية الشرعية.
وقد تميّز منذ تلك المرحلة بهمّة علمية عالية، وحرصٍ ظاهر على المطالعة والبحث، إذ كان يقصد المكتبة الوطنية في بيروت بانتظام للاطلاع على الكتب النادرة، في وقتٍ كانت فيه مصادر المعرفة محدودة، فصقل بذلك شخصيته العلمية مبكرًا. كما تأثر في مسيرته بالبيئة العلمية التي أحاطت به، وبعدد من مشايخ عصره، وكان للعلامة الشيخ أحمد العجوز رحمه الله دورٌ في توجيهه إلى هذا الطريق.
تابع سماحته دراسته في الأزهر الشريف بمصر ابتداءً من سنة 1961، حيث تخصّص في علوم الشريعة، ونال شهادة الليسانس، ثم نال درجة الماجستير في الفقه المقارن سنة 1969، فجمع بين الدراسة الفقهية التقليدية والبحث الأكاديمي المنهجي، وتكوّنت لديه ملكة أصولية واضحة انعكست في فكره ومواقفه لاحقًا.
عاد إلى لبنان مطلع السبعينيات، فبدأ مسيرته العلمية والإدارية، حيث كُلّف بإدارة أزهر لبنان سنة 1969–1970، وبقي في هذا الموقع أربعين عامًا تقريبًا حتى 2009، فكان له الدور الأبرز في تطوير هذه المؤسسة، وتحديث مناهجها، والإشراف على تخريج أجيال من العلماء والدعاة.
ثم جاءت المرحلة الأبرز في حياته بتعيينه مفتيًا لزحلة والبقاع سنة 1985، وهو المنصب الذي اقترن باسمه حتى وفاته، فمارس من خلاله دورًا دينيًا ووطنيًا واجتماعيًا واسعًا، حيث ترأس مجلس أوقاف البقاع، وكان عضوًا فاعلًا في المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى لأكثر من خمسة وعشرين عامًا، كما مثّل لبنان في مجمع الفقه الإسلامي في مكة المكرمة، وشارك في مجامع فقهية دولية، منها مجمع فقهاء الشريعة في أمريكا.
وقد ارتبط اسمه بمشروعه الرائد: أزهر البقاع، الذي أسّسه سنة 1985، في مرحلة دقيقة من تاريخ لبنان، حيث كانت البلاد تمرّ بظروف معقّدة، فشيد هذا الصرح ليكون امتدادًا للأزهر الشريف، ومركزًا لنشر العلم الشرعي الوسطي. ولم يقتصر المشروع على التعليم الديني التقليدي، بل طوّره ليصبح مؤسسة متكاملة تضم مراحل إعدادية وثانوية وجامعية، ثم تُوّجت بافتتاح جامعة أزهر البقاع سنة 2013، لتغدو من أكبر المؤسسات العلمية الشرعية في لبنان.
ولم تقف جهوده عند حدود التعليم، بل أسهم في بناء شبكة من المؤسسات الدينية والاجتماعية، منها: صندوق الزكاة في البقاع سنة 1986، وإذاعة القرآن الكريم سنة 1993، ومراكز صحية في القرى، ودور لتحفيظ القرآن الكريم، فكان مشروعه شاملًا للجوانب التربوية والاجتماعية والخيرية.
أما في المجال العلمي، فقد كان رحمه الله عالمًا محققًا، ومدرسًا متميزًا، أشرف على العديد من رسائل الماجستير، وشارك في مؤتمرات علمية داخل العالم العربي وخارجه، وله مؤلفات في الفقه وأصوله والفكر الإسلامي، من أبرزها:
-الوافي في الفقه الإسلامي
-الوافي في أصول الفقه الإسلامي
-أبحاث في فقه الزكاة
-مباحث في قضايا فكرية وفقهية معاصرة
كما عُني بتحقيق كتب التراث، فأخرج عددًا من المصنفات الأصولية والحديثية المهمة، منها:
-المعتمد في أصول الفقه لأبي الحسين البصري
-تقويم الأدلة للدبوسي
-الفرقان بين الحق والباطل لابن تيمية
-الخيرات الحسان لابن حجر الهيثمي
-قطف الأزهار المتناثرة للسيوطي
وقد تميّز منهجه العلمي بالاعتماد على فقه الأصول وفقه الواقع، حيث كان يرى أن الأحكام الشرعية لا تُفهم بمعزل عن ظروفها وسياقاتها، فكان يميل إلى مراعاة اختلاف الأحوال في الفتوى، وهو ما انعكس في مواقفه المتّزنة، وقدرته على إدارة التباينات الاجتماعية والسياسية بحكمةٍ ومرونة.
وعلى الصعيد الوطني والاجتماعي، كان سماحته صوتًا للاعتدال، ومدافعًا عن العيش المشترك بين أبناء البقاع بمختلف طوائفهم، وحاضرًا في حلّ النزاعات وإصلاح ذات البين، كما عُرف بقربه من الناس، وتواضعه، وانفتاحه على مختلف الفئات، فشكّل شخصية جامعة تتجاوز الانقسامات.
وقد عاصر تحوّلات دقيقة في لبنان، وتمكّن من الحفاظ على دور المؤسسة الدينية وتماسكها، مستندًا إلى رؤية تجمع بين الثوابت الشرعية ومتطلبات الواقع، مما جعله أحد أبرز وجوه التأثير في الحياة الدينية والاجتماعية في البقاع.
وظلّ سماحته على عطائه العلمي والدعوي والمؤسسي حتى آخر أيامه، إلى أن وافته المنية يوم الخميس 29 تموز (يوليو) سنة 2021، بعد معاناة مع المرض، عن عمر ناهز الثمانين عامًا، قضاها في خدمة الدين والعلم والمجتمع.
فبوفاته خسر لبنان والبقاع علمًا من أعلامه، وقامةً دينيةً ووطنيةً قلّ نظيرها، ترك خلفه إرثًا علميًا ومؤسساتيًا راسخًا، سيبقى شاهدًا على عطائه وجهده.
رحم الله سماحة الشيخ الجليل خليل الميس، ونفع بما خلّفه من علمٍ وعملٍ ومؤسسات، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
