في بيروت التي أنهكتها الحرب وأثقلتها السياسة، ظلّ جامع المصيطبة يوم الجمعة موعداً لا يُخلَف؛ يتقاطر إليه الناس من أحياء المدينة المختلفة لأداء الفريضة، ولأمرٍ آخرَ قد لا يجدونه في كثير من المنابر — صوتٌ جهوري يحمل العلم ويقطر فصاحةً، وخطيبٌ يجعل للكلمة وزناً وللجملة أثراً. كان ذلك الخطيب هو سماحة الشيخ القاضي محمد أحمد كنعان.
رجلٌ نشأ في قرية بقاعية صغيرة، فحمل همّ الإسلام والعلم إلى بيروت، وأفنى عمره يتنقّل بين ثلاثة محاريب لم يهجر أيّاً منها؛ محرابُ العلم في قاعات الدرس حيث أخرج جيلاً من الطلاب، ومحرابُ العدل في قاعات القضاء حيث لم تأخذه في الحق لومةُ لائم، ومحرابُ البيان على منبر المصيطبة حيث كانت بيروت تتوقف لتسمعه. وما كان جمعُ هذه المحاريب الثلاثة ليسيرَ على كثير من الناس في زمنٍ واحد، لكنه كان من القليلين الذين يُصدّق فيهم كلٌّ منها الآخر؛ فعلمُه يُضيء خطبه، وعدلُه يُصدّق علمه، وبيانُه يُبلّغ ما في قلبه — في زمنٍ كان فيه الثبات على المبدأ أشقّ من الصمود في المعركة.
المولد والنشأة
وُلد سماحة الشيخ محمد أحمد كنعان في ربيع سنة 1944م، في قرية “الروضة” البقاعية في لبنان. ونشأ في بيئةٍ ريفية هادئة غرست فيه مبكراً حبّ الدين والعلم، فلم يكد يبلغ الرابعة عشرة من عمره حتى شدّ الرحال إلى دمشق، ليلتحق سنة 1958م بمعهد “الفتح الإسلامي” الذي كان آنذاك من أعرق المعاهد الشرعية في بلاد الشام.
وفي دمشق تتلمذ على يد نخبة من كبار علماء الشام، في مقدمتهم الشيخ محمد صالح فرفور، والشيخ عبد الرزاق الحلبي، والشيخ أديب الكلاس رحمهم الله جميعاً. وقد صنع هؤلاء الشيوخ في تلميذهم البقاعي الشاب ما لا تصنعه المناهج وحدها؛ زرعوا فيه الصرامة في العلم، والأمانة في الحكم، والفصاحة في البيان — وهي سماتٌ لازمته حتى آخر يوم في حياته.
مسيرته العلمية والدعوية
تخرّج الشيخ محمد كنعان من معهد الفتح الإسلامي سنة 1962م، فتوجّه إلى بيروت مدرساً، ثم انتقل إلى مدينة صيدا حيث أمضى سنتين بين عامَي 1964 و1965م إماماً وخطيباً ومدرساً في مساجدها ومدارسها. وكان من الذين أسّسوا “جمعية جامع البحر” و”مدرسة الإيمان” في المدينة، فشكّل حضوره فيها حالةً دعويةً متميزة في وقتٍ كان فيه الدين يُعدّ في بعض الأوساط أفيون الشعوب. وقد دفعته الضغوط السياسية إلى مغادرة صيدا، لكنه خلّف فيها تلاميذ أصبحوا فيما بعد في مواقع مهمة وقادة في العمل الإسلامي.
وبعد صيدا انتقل إلى منطقة البقاع موظفاً في دائرة الأوقاف وإماماً لمسجد تعلبايا، قبل أن يصدر مرسوم تعيينه مساعداً قضائياً سنة 1966م في بيروت، فاستقرّ فيها خطيباً ومدرساً ومحاضراً، وانكبّ على التأليف في التفسير وغيره من العلوم إلى جانب عمله القضائي.
نال شهادة الإجازة من الأزهر الشريف سنة 1970م، وعُيّن قاضياً شرعياً سنة 1980م وكان الأول على دفعته، ثم مستشاراً بالمحكمة العليا سنة 1989م، حتى بلغ قمة المسيرة القضائية حين عُيّن رئيساً للمحكمة الشرعية السنية العليا سنة 2000م.
القاضي العادل في زمن التفلّت
تميّزت مسيرة الشيخ محمد كنعان القضائية بسمةٍ نادرة في زمانه؛ فرغم ضآلة مرتبه الشهري، وطول سنوات الحرب اللبنانية وما رافقها من فوضى وتفلّت، اشتُهر بنزاهته ونصاعة كفّه لم يُشَكَّ فيها يوماً. وكان يُدرّس في المدارس بعد دوام المحكمة ليُعين أسرته، غير أن ذلك لم يُضعف عزيمته في العمل ولم ينقص من أمانته شيئاً. فكان نموذجاً حيّاً لما ينبغي أن يكون عليه القاضي الشرعي؛ لا تأخذه رهبة السلطان، ولا يُغريه بريق المال، ولا تُليّن موقفه الضغوط مهما علت.
وحين تولّى رئاسة المحكمة الشرعية السنية العليا عُرف بإصلاحاته التي أزعجت حاسديه، فدفع ثمنها غالياً؛ إذ وُضع في تصرف رئيس الحكومة بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري الذي كان يحميه من خصومه، ثم مُنع من الخطابة — وكانت تلك الضربة الأشد وطأةً على رجلٍ كان المنبر قلبه الثاني.
خطيبُ المصيطبة — صوتٌ يهزّ المنابر
لم يكن الشيخ محمد كنعان عالماً يكتفي بالتأليف والقضاء، بل كان خطيباً مفوّهاً من طرازٍ نادر؛ وهبه الله صوتاً جهورياً يملأ المسجد من محرابه إلى أقصى صفوفه، وبياناً عربياً فصيحاً يسحر الأسماع ويُسكت الحشود، وقدرةً على السبك والتركيب تجعل الكلمة تجري في مجراها الطبيعي كأنها ماءٌ يجري في نهر.
وقد كان منبره في جامع المصيطبة في بيروت قِبلةً لكل محبٍّ للعلم والفكر والبيان؛ يتقاطر إليه الناس من أحياء المدينة المختلفة، يملؤون الصفوف قبل أن يُرفع الأذان، ويخرجون وقد امتلأت قلوبهم وانتعشت أرواحهم. كان إذا ارتقى المنبر وأطلق صوته، أحسست أن للكلمة وزناً وللجملة أثراً، وأن الفصاحة حين تلتقي بالإيمان تصنع شيئاً لا تصنعه الخطابة وحدها ولا العلم وحده.
وكان رحمه الله يستحضر في خطبه قوةَ اللغة العربية في أعلى درجاتها، لا تكلّفاً ولا استعراضاً، بل لأن اللغة عنده كانت أداة الحق الأولى — يحملها كما يحمل القاضي حجّته، وكما يحمل المؤلف فكرته. فجاءت خطبه جامعةً بين رصانة العالم وحرارة الداعية وجمال الأديب… غير أنّه مُنِعَ من الخطابة في آخر حياته بقرارٍ سياسي ظالم.
مؤلفاته — عالِمٌ يكتب للأجيال
لم تشغله مهام القضاء والخطابة والتدريس عن التأليف والتصنيف؛ فترك رحمه الله إرثاً علمياً مكتوباً يعكس عمقه في علوم القرآن والتفسير. وأبرز ما خلّفه كتابه “قرة العينين على تفسير الجلالين”، الذي نشرته دار البشائر الإسلامية في بيروت، وهو تعليقات مختصرة على تفسير الجلالين قصد منها إيضاح الملتبس وبيان المبهم من التفسيرات، وتنقية الكتاب من الإسرائيليات والآراء الباطلة والأحاديث الضعيفة، مع تخريج الأحاديث والآثار الواردة فيه. وقد أثنى على هذا الكتاب علماءٌ بارزون ورشّحوه لطلاب العلم في دروسهم. وإلى جانبه عمل على تفسير البيضاوي ومختصر تفسير ابن كثير، فضلاً عن محاضرات وندوات ومقالات تشهد على موسوعية رجلٍ لم يرَ في العلم حدوداً.
وفاته
وافت سماحة الشيخ محمد أحمد كنعان المنيةُ في شهر نيسان من سنة 2011م، بعد إصابته بمرضٍ عُضال أثقل جسده في سنواته الأخيرة. ورحل وفي قلبه غصّة المنع من الخطابة، وفي صدره دفءُ إيمانٍ لم يُخبئه يوماً ولم يُساوم عليه أبداً.
ترك خلفه جيلاً من المحبين المخلصين تشرّبوا من علمه وبيانه، وتلاميذ حملوا عنه الأمانة في مواقع شتى، وكتباً لا تزال تُقرأ وتُدرَّس، وذكرى منبرٍ في المصيطبة كان لبيروت فيه شيءٌ لا تجده في غيره.



