المفتي الخطّاط والعالِم الموسوعي سماحة الشيخ الدكتور أحمد سعيد اللدن 1953 – 2018

لم تكن الريشة تغيب كثيراً عن يده؛ فإذا لم يكن ممسكاً بكتابٍ يُدرِّسه، أو ملفٍّ يقضي فيه بين الناس، أو ورقةٍ يخطّ عليها بيتًا من الشعر، وجدته يُمسك بقلم الخطّ العربي كأنما خُلق له. كان يرى في الحرف جمالاً، وفي العلم رسالة، وفي القضاء أمانة، وفي الدعوة واجباً. ولهذا بدا للذين عرفوه أن حياته لم تكن مجموعة وظائف ومناصب، بل مشروعاً متكاملاً لرجلٍ أراد أن يخدم دينه بكل ما آتاه الله من موهبةٍ وعلم.

جمع الشيخ الدكتور أحمد سعيد اللدن بين ما قلّ أن يجتمع في رجل واحد؛ فقيهٌ وقاضٍ ومفسّر، وأستاذ جامعي ومربٍّ، وخطاطٌ من كبار الخطاطين العرب، وأديبٌ وشاعر، وصاحب موقفٍ لا يخشى في الحق لومة لائم. وإذا كان كثير من العلماء يُعرفون بعلمهم، فإن أحمد اللدن عُرف كذلك بإنسانيته وتواضعه وقربه من الناس، حتى غدا بيته مقصداً لأصحاب الحاجات، ومسجده ملتقًى للطلاب والمحبين، وقلبه مأوى للفقراء والمظلومين.

وحين رحل في مطلع عام 2018م، لم يفقد البقاع اللبناني مفتياً فحسب، ولم تفقد المحاكم الشرعية قاضياً فقط، بل فقدت الساحة الإسلامية واحداً من أولئك العلماء الذين يصعب اختصارهم في لقبٍ واحد؛ لأنهم أكبر من الألقاب جميعاً.

المولد والنشأة

وُلد الشيخ أحمد سعيد اللدن سنة 1953م في بلدة خربة روحا في البقاع الغربي اللبناني، وهي البلدة التي تنتسب إلى الإمام المفسر الكبير برهان الدين البقاعي رحمه الله. وفي هذه البيئة الريفية المحافظة تفتحت عيناه على حب القرآن والعلم، ونشأ منذ صغره محاطاً بأجواء التدين والالتزام.

وقد بدت عليه علامات النبوغ مبكراً؛ فلم يكن كغيره من الفتيان المنشغلين باللهو ومشاغل الصبا، بل مال إلى القراءة والبحث، وأظهر اهتماماً لافتاً باللغة العربية والخط العربي، حتى إن زملاءه في تلك المرحلة كانوا يرون فيه ملامح الأديب والمفكر أكثر مما يرون فيه مجرد طالب علم ناشئ.

في أزهر لبنان… بداية التكوين

انتقل إلى بيروت ليلتحق بـ«أزهر لبنان»، وهناك بدأت شخصيته العلمية تتشكل على أيدي نخبة من علماء البلاد.

وكان من أبرز شيوخه سماحة مفتي زحلة والبقاع الشيخ خليل الميس رحمه الله، الذي كان قد عاد حديثاً من الأزهر الشريف في مصر، فوجد في تلميذه الشاب ذكاءً وقاداً وشغفاً بالعلم، حتى أصبح أحمد اللدن لاحقاً من أقرب تلامذته وأبرزهم.

ويصفه رفاق الدراسة في تلك المرحلة بأنه كان شديد الحياء، قليل الكلام، بعيداً عن الخصومات والصخب الذي يرافق عادة سنوات الشباب. فلم يُعرف عنه التسرع أو الانفعال، بل كان يغلب عليه الهدوء والتأمل وحسن الخلق. وكان إذا ناقش ناقش بعلم، وإذا خالف خالف بأدب.

وفي تلك السنوات أيضاً تعلّق بفن الخط العربي، وتتلمذ على الأستاذ الشيخ عفيف عبد الفتاح طبارة، وبدأت موهبته الفنية بالظهور بصورة لافتة.

إلى الأزهر الشريف

بعد تخرجه في أزهر لبنان، شد الرحال إلى القاهرة، حيث التحق بجامعة الأزهر الشريف، كلية أصول الدين.

وفي رحاب الأزهر توسعت آفاقه العلمية، وبرز تفوقه في علوم القرآن والتفسير والعقيدة والفكر الإسلامي. ولم يكتف بالإجازة الجامعية، بل تابع دراساته العليا حتى نال شهادة الدكتوراه في التفسير بدرجة امتياز، وكانت أطروحته بعنوان: «التفسير عند الزيدية»، وهو موضوع يعكس اهتمامه المبكر بدراسة الفرق والمذاهب الإسلامية دراسةً علميةً رصينة.

وخلال إقامته في مصر لم ينشغل بالدراسة الأكاديمية وحدها، بل واصل تطوير موهبته الخطية، فتتلمذ على كبار خطاطي مصر، وفي مقدمتهم الخطاط الشهير سيد إبراهيم، حتى أصبح بعد سنوات من أبرز الخطاطين في العالم العربي.

عالم موسوعي

كان الشيخ أحمد اللدن من العلماء الذين يصعب حصرهم في تخصص واحد. فإلى جانب حفظه للقرآن الكريم وتمكنه في علوم التفسير، عُرف بسعة اطلاعه في العلوم العقلية والعقيدة والفكر الإسلامي والفرق والمذاهب واللغة العربية وآدابها والتاريخ الإسلامي، كما برزت عنايته الخاصة بالخط العربي وفنونه.

وكان الذين يحضرون مجالسه يلحظون هذه الموسوعية بوضوح؛ فما من موضوع يُطرح إلا ويملك فيه علماً ورأياً وتحليلاً، حتى إن كثيراً من أبناء الاختصاص كانوا يخرجون من حواراته معجبين بعمق معرفته في مجالاتهم.

كما عُرف بموهبته الأدبية والشعرية، وكان يمتلك أسلوباً عربياً رفيعاً يجمع بين قوة العبارة وجمال التصوير.

أستاذ الأجيال

عاد إلى لبنان سنة 1988م، فتولى إدارة أزهر البقاع والتدريس فيه، ثم تنوعت مسؤولياته التعليمية، فدرّس في عدد من المؤسسات والجامعات الشرعية، من أبرزها كلية الشريعة التابعة لدار الفتوى، بالإضافة إلى كلية الإمام الأوزاعي، وأخيراً المعهد العالي للدراسات الإسلامية التابع للمقاصد.

كما أشرف على عشرات رسائل الماجستير والدكتوراه، وشارك في المؤتمرات العلمية والندوات الفكرية داخل لبنان وخارجه. وكان طلابه يذكرون عنه أنه لم يكن يكتفي بإلقاء المعلومات، بل كان يصنع شخصية الطالب العلمية، ويغرس فيه حب البحث والتأمل والاستقلال الفكري.

القاضي الذي حمل همَّ الناس

دخل الشيخ أحمد اللدن سلك القضاء الشرعي، وهناك ظهرت خصلة أخرى من خصاله؛ إذ جمع بين العلم والعدل.

فلم يكن القضاء عنده وظيفةً رسمية تنتهي بانتهاء الدوام، بل رسالة لخدمة الناس وإصلاح ذات البين. ولذلك كان بيته مفتوحاً لأصحاب الخصومات والخلافات، يقصدونه قبل المحكمة وبعدها، فيسعى للإصلاح بينهم ويقضي حوائجهم.

وقد شهد له معاصروه بالنزاهة والإنصاف والبعد عن المجاملة، حتى غدت محكمته مثالاً للثقة والاحترام.

مفتي راشيا

عُيّن مفتياً لقضاء راشيا، فازدادت مسؤولياته واتسعت دائرة تأثيره، غير أن المنصب لم يغير شيئاً من طباعه؛ فقد بقي كما عرفه الناس: متواضعاً قريباً من الجميع، يستقبل الزائرين بنفسه، ويجلس إلى الفقراء كما يجلس إلى الوجهاء، ويحرص على خدمة أبناء منطقته وقضاء حوائجهم.

وحين اقترح عليه بعضهم أن يترك الإمامة والخطابة ليتفرغ لمهام الإفتاء، رفض ذلك وفاءً لأهل تعلبايا الذين عاش بينهم أكثر من عشرين سنة، مؤمنًا أن الوفاء للناس جزء من الدين الذي يدعو إليه.

صاحب موقف

لم يكن الشيخ أحمد اللدن من العلماء الذين يكتفون بالمواعظ العامة؛ فقد عُرف بدفاعه عن قضايا الأمة الإسلامية، ومناصرته للمظلومين، واهتمامه بالشأن العام المحلي والعالمي. وكان يرى أن واجب العالم لا يقتصر على التعليم والإفتاء، بل يشمل أيضاً قول كلمة الحق حين يتردد الآخرون.

ولهذا احتفظ بحضور مؤثر في كثير من القضايا الإسلامية المعاصرة، وكان يشارك في المؤتمرات والملتقيات الفكرية والدعوية في لبنان والعالم العربي.

ومن كلماته اللافتة في أحد لقاءاته الفكرية أن الداعية في هذا العصر مطالب بالصبر والثبات، لأن وسائل الإعلام الحديثة قلبت كثيراً من المفاهيم الأخلاقية، وجعلت مهمة الحفاظ على القيم أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

الخطاط الذي كتب ثلث القرآن

ولعل الجانب الأقل شهرة عند كثير من الناس، والأكثر إدهاشاً عند من عرفه عن قرب، هو عبقريته الفنية؛ فقد بلغ من الإتقان في الخط العربي مبلغاً جعله في مصاف كبار الخطاطين العرب.

كان شديد التعلق بهذا الفن، يقف طويلاً أمام اللوحات الخطية، ويقضي الساعات ممسكاً بريشته بين الزخرفة والكتابة والتصميم، ومن أبرز إنجازاته أنه كتب بخط النسخ ثلث القرآن الكريم كاملاً، وهو عمل يحتاج إلى سنوات طويلة من الجهد والصبر والإتقان. وكان يحلم بإتمام كتابة المصحف كاملاً، وظل هذا المشروع يرافقه حتى أيامه الأخيرة.

إنسان أحبه الناس

من أكثر الصفات التي تتكرر في شهادات من عرفوه أنه كان محبوباً على نحو استثنائي؛ فقد جمع بين الهيبة والألفة، وبين العلم والتواضع، وبين الوقار والبشاشة. وكان كل من يقترب منه يشعر أنه الأقرب إلى قلبه، وأن له عنده منزلة خاصة. ولذلك اتسعت دائرة محبيه حتى شملت العلماء والطلاب والعامة والمسلمين وغير المسلمين.

المرض والرحيل

في سنواته الأخيرة، أصيب الشيخ أحمد اللدن بوعكات صحية متتابعة، قابلها بصبر ورضا واحتساب. وظل يمارس مهامه العلمية والدعوية قدر استطاعته، حتى وافاه الأجل عصر يوم الاثنين الرابع عشر من ربيع الآخر سنة 1439هـ، الموافق للأول من كانون الثاني (يناير) 2018مم، ورحل بعد مسيرة حافلة بالعلم والقضاء والدعوة والتربية، تاركاً وراءه طلاباً ومحبين ومؤلفاتٍ ومواقفَ وذكرياتٍ لا تزال حاضرة في قلوب مَنْ عرفوه.

لقد كان الشيخ الدكتور أحمد سعيد اللدن واحداً من أولئك العلماء الذين تتجاوز آثارهم حدود مناصبهم، لأنهم يتركون بصمتهم في الإنسان قبل المؤسسة، وفي القلوب قبل السجلات. وإذا كان العلماء يُعرفون بما كتبوا أو قالوا، فإن أحمد اللدن عُرف كذلك بما كان عليه؛ عالماً ربانياً، ومربياً مخلصاً، وخطّاطًا مبدعًا عاشقاً للجمال، وقاضياً عادلاً، وإنساناً أحبه الناس وأحبهم.

Exit mobile version