علماء مسلمون من لبنان: القاضي والخطيب — حين يلتقي ميزانُ العدالة بسلطانِ الكلمة فضيلة الشيخ القاضي زكريا غندور

في مسجد الإمام علي بن أبي طالب في الطريق الجديدة، كان المصلون يملؤون الصفوف قبل أن يُرفع الأذان. يلبّون نداء الله، وينتظرون صوتًا يعرفون أنه لن يُجامل ولن يُداري. كان ذلك الصوت هو صوت الشيخ القاضي زكريا غندور — القاضي الذي حمل ميزان الشرع في المحكمة، والخطيب الذي حمل سلطان الكلمة على المنبر، فلم يفصل بينهما يوماً، بل جعل منهما رسالةً واحدة لا تتجزأ.

رجلٌ جاء من قرية “الروضة” في البقاع الغربي هادئاً كاسمها، فاستقرّ في بيروت وملأها صدعًا بالحقّ في وجه الظالمين. وكان جسر التواصل بين بقاعٍ أنجبه وبيروتٍ احتضنته؛ يحمل دفق الريف مع وظيفة المدينة المعقدة، ويجمع بين تواضع الأصل وعلوّ المكانة — في صورة من أبلغ صور العالِم الذي لا يُغيّره الزمن ولا يُزحزحه المنصب.

المولد والنشأة

وُلد فضيلة الشيخ القاضي زكريا غندور حوالي سنة 1940م في بلدة “الروضة” في البقاع الغربي اللبناني، ونشأ في بيئةٍ ريفية محافظة تشكّلت فيها ملامح شخصيته الأولى على قيم الجدية والانضباط والالتزام الديني. وكانت تلك البيئة مدرسته الأولى قبل المدارس؛ علّمته أن الرجل يُعرف بثباته لا بضجيجه، وأن العالم الحق يحمل هموم الناس قبل أن يحمل كتبه.

رحلته في طلب العلم

لم يقتصر الشيخ زكريا غندور في طلب العلم على بيئته المحلية، بل شدّ الرحال إلى دمشق حيث تلقّى علوم الشريعة في حيّ القيمرية، ذلك الحيّ الدمشقي العريق الذي يقع إلى الشرق من الجامع الأموي الكبير، وعُرف تاريخياً بأنه أم الحارات الدمشقية ومنارةٌ للعلم تتداخل فيها حلقات الفقه والحديث والتفسير في نسيجٍ علمي متوارث. وكانت تلك المرحلة الدمشقية البوابة الأولى لتكوينه الشرعي المنهجي، غرست فيه أصول العلم وربطته بالمدرسة الشامية الرصينة.

ثم انتقل إلى مصر فالتحق بجامعة الأزهر الشريف، ونال شهادة الليسانس في الشريعة والقانون، فجمع بين عمق الفقه الإسلامي وأدوات المعرفة القانونية الحديثة — وهو ما أهّله لاحقاً للانخراط في القضاء الشرعي بوصفه مساحةً تتطلب فهم النصوص الشرعية كما تتطلب إدراك الواقع وتعقيداته.

مسيرته القضائية — أربعون عاماً في خدمة العدل

بدأ الشيخ زكريا غندور مسيرته العملية داخل المحاكم الشرعية من موقع التدرّج الصامت في سلم المسؤولية؛ فعمل كاتب محكمة، ثم ارتقى إلى رئيس قلم في المحكمة الابتدائية ثم في المحكمة العليا، مكتسباً خبرة دقيقة في تفاصيل العمل القضائي وإجراءاته. وفي أوائل التسعينيات التحق بسلك القضاء الشرعي بعد مباراة رسمية لاختيار القضاة، فانتقل من إدارة الملفات إلى إصدار الأحكام، ومن العمل الإداري إلى موقع الفصل بين الناس بالحق.

واستمر في هذا السلك حتى عام 2012م حيث أنهى خدمته بالتقاعد، بعد مسيرة جاوزت الأربعين عاماً في العمل القضائي، منها أكثر من عشرين عاماً في القضاء الشرعي، خُتمت برتبة شرف تقديراً لعطائه ومكانته.

وانصبّ عمله القضائي أساساً على قضايا الأسرة بما تحمله من تشابك إنساني واجتماعي؛ ملفات الزواج والطلاق والنفقة والحضانة — تلك الملفات التي تحمل في طياتها دموع الناس وكسر قلوبهم. وكان يرى أن وظيفة القاضي ليست إدارة الخصومة بل إقامة الحق، وظلّ يستحضر في وعيه القضائي المعنى العمريّ الخالد: “الضعيف قوي حتى يُؤخذ له الحق، والقوي ضعيف حتى يُؤخذ الحق منه” — فكانت هذه الروح حاضرة في مساره القضائي معياراً أخلاقياً قبل أن تكون قاعدة قانونية.

خطيبُ الطريق الجديدة — صوتٌ لا يُساوم

بالتوازي مع مساره القضائي، كان الشيخ زكريا غندور حاضراً في فضاء الدعوة والإمامة والخطابة، حيث ارتبط اسمه بمسجد الإمام علي بن أبي طالب في منطقة الطريق الجديدة ببيروت، الذي شكّل أحد أبرز المنابر الدينية والاجتماعية في العاصمة.

كانت خطبه مشهودةً في بيروت، يقصدها المصلون من أحياء المدينة المختلفة لا لأداء الفريضة وحدها، بل لأنهم يعرفون أنهم سيسمعون ما لا يجرؤ كثيرون على قوله. كان شيخاً جريئاً في الحق لا يُداري ولا يُماري ولا يُجامل، لا تأخذه في الله لومةُ لائم — اتّخذ الحقّ صاحباً له والدعوة رسالةً نذر حياته في سبيلها. وكان يسري إلى المستمع صدقُه قبل كلامه، ويؤثر فيه حالُه قبل مقاله.

ومن أبرز مواقفه الجريئة ثورته العلنية على مشاريع الزواج المدني في لبنان، حين رفع صوته من منبره رافضاً هذا التوجه رفضاً قاطعاً، ومحذّراً من خطورته على بنية الأسرة المسلمة والهوية الدينية في البلاد — في زمنٍ كان كثيرون يؤثرون الصمت أو المجاملة. وقد عايش خلال مسيرته الدعوية تعاقب عدد من كبار المفتين في لبنان؛ من المفتي الشيخ محمد علايا، إلى المفتي الشهيد حسن خالد، إلى المفتي الشيخ محمد رشيد قباني، وصولاً إلى المفتي الشيخ عبد اللطيف دريان — فكان شاهداً ومشاركاً في تحولات المشهد الديني الرسمي في لبنان عبر عقود متتابعة.

الموقف والمبدأ — حين تُقال كلمة الحق

لم تكن جرأة الشيخ زكريا غندور مجرد أسلوب خطابي، بل كانت مبدأً حياً يترجمه في الواقع. ففي رمضان عام 2019م، حين أُعلن عن إقامة حفلات ماجنة في الملعب البلدي وسط الطريق الجديدة، لم يكتفِ بالاستنكار من بعيد، بل وقف بوجه القائمين عليها تهديداً رسمياً صريحاً، وقال في وجه الجميع: “ولو على جثّتي لن تُقام هذه الحفلات.” ثم خاطب الرئيس سعد الحريري مطالباً بإلغائها — فأُلغيت، وأُبدلت بحفلات إنشادية.

وفي تلك اللحظة لم يكن يتكلم بوصفه خطيباً ولا قاضياً، بل كان يتكلم بوصفه وليّاً من أولياء هذه المدينة يذود عن حرمتها ودينها.

صورة الإنسان — تواضع الرقيّ

ما كان الشيخ زكريا غندور عالماً يحجبه علمه عن الناس، ولا قاضياً تعلو به مكانته عن محيطه. بل كان متواضعاً محبّاً لطلبة العلم بعيداً عن الأضواء، نحريراً في فكّ عبارة تفسير الفخر الرازي وتسهيل معانيه لمن يجالسه، يُقرّب المعنى إلى طلاب العلم دون إخلال بعمقه.

كان يشقّ صفوف المصلين إلى الصف الأول مبتسماً، يصافح من يلقاه بتواضعٍ جمّ — كأن المنصب لم يمسّه، وكأن العلم لم يُعجبه. وكان ممن لا يتوانى عن تلبية أي مبادرة وطنية حتى في أهلك الظروف السياسية والأمنية. وقد وصفه من عرفه بـ”تواضع الرقيّ” في العلم والموقع والمكانة — جملةٌ قليلة الكلمات كثيرة المعنى.

وحين أثقله المرض في آخر حياته، صبر واحتسب محافظاً على هدوئه وابتسامته، حتى كان يعظ زائريه وهو يُعاني وجعه — كأنه يتبادل الأدوار مع من جاء يعوده، فيخرج العائد وقد أخذ من المريض أكثر مما أعطاه.

وفاته ورثاء المؤسسات

انتقل فضيلة الشيخ القاضي زكريا غندور إلى رحمة الله في الثالث من حزيران سنة 2020م، الموافق الحادي عشر من شوال سنة 1441هـ. وصُلّي عليه في مسجد الإمام علي بن أبي طالب في الطريق الجديدة — المسجد الذي أفنى فيه عمره إماماً وخطيباً — ثم وُورِيَ الثرى في جبانة بلدته الروضة في البقاع الغربي، عائداً إلى التراب الذي أنجبه.

وقد نعته دار الفتوى في الجمهورية اللبنانية ومجلس القضاء الشرعي الأعلى والمديرية العامة للأوقاف الإسلامية وجامعة بيروت الإسلامية ومراكز خدمة القرآن الكريم — مؤسساتٌ كلها تشهد على حجم الرجل ووزنه في الحياة الدينية والقضائية اللبنانية.

رحل الشيخ زكريا غندور هادئاً كما عاش هادئاً، لكن هدوءه لم يكن يوماً صمتاً عن الحق، بل كان هدوء الواثق من موقفه المطمئن إلى ربه. جمع في مسيرته ما يندر اجتماعه؛ صرامة الحكم ورهافة الكلمة، عدالة القضاء وبلاغة المنبر، تواضع الريفي وعلوّ العالم. ولم يفصل يوماً بين الحق إذا قُضي به في المحكمة والحق إذا نُطق به على المنبر، بل جعل منهما مساراً واحداً لرسالة واحدة — إقامة العدل وتبليغ الحق وصيانة الإنسان.

Exit mobile version