الدكتور المستشار القاضي الشيخ حسين غزال-عالِم الفرائض وقاضي الشريعة
يُعَدّ فضيلة الدكتور المستشار القاضي الشيخ حسين غزال رحمه الله تعالى واحدًا من أعلام أهل السُّنّة في لبنان، ومن كبار علماء البقاع وبيروت على السواء، الذين جمعوا بين التحصيل العلمي الرصين والعمل القضائي والتعليمي المثمر، فكان مثالًا للعالِم العامل، والمربّي المتقن، والمرجع الموثوق في علم الفرائض.
وُلد رحمه الله في بلدة قبّ إلياس البقاعية سنة 1925، وفيها تلقّى مراحل تعليمه الأولى، قبل أن يتوجّه إلى طلب العلوم الشرعية في معاهدها المتخصصة. فحاز الشهادة الثانوية الدينية من معهد الجمعية الغرّاء بدمشق سنة 1942، في عهد رئاسة الشيخ علي الدقر رحمه الله، ثم تابع تحصيله في الكلية الشرعية في بيروت، المعروفة اليوم بـ«أزهر لبنان»، فنال شهادتها الثانوية سنة 1943.
ابتُعث بعد ذلك إلى مصر بقرار من مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ محمد توفيق خالد رحمه الله، حيث واصل دراساته العليا في رحاب الأزهر الشريف، فحصل على شهادة الليسانس في الشريعة الإسلامية، ثم نال الشهادة العالمية في الشريعة من الأزهر نفسه، كما أحرز شهادة الليسانس في اللغة العربية وآدابها من جامعة فؤاد الأول في القاهرة سنة 1950، جامعًا بين علوم الشريعة وعلوم اللغة.
بدأ مسيرته الأكاديمية مبكرًا، فعُيّن أستاذًا في الجامعة اللبنانية منذ تأسيسها، وذلك بموجب أول مرسوم صدر عنها بتاريخ 1 كانون الثاني 1952، موقّع من رئيس الجمهورية بشارة الخوري ورئيس مجلس الوزراء عبد الله اليافي، فكان من الروّاد المؤسسين للتعليم الجامعي الرسمي في لبنان، وأول أستاذ للغة العربية في الجامعة اللبنانية.
وفي عام 1963 انتقل إلى سلك القضاء الشرعي، فعُيّن قاضيًا شرعيًا، وبقي في هذا المنصب ثلاثة عقود متواصلة حتى تقاعده سنة 1993، متنقّلًا في مهامه القضائية بين بيروت وصيدا والبقاع، حيث عُدّ من كبار قضاة المحاكم الشرعية ومستشاريها المرموقين.
وإلى جانب عمله في القضاء، واصل رسالته في التعليم، فدرّس في عدد من الجامعات والمؤسسات العلمية، منها: الجامعة اللبنانية، وجامعة بيروت العربية، والجامعة الإسلامية التابعة لجمعية المقاصد، وكلية الشريعة في دار الفتوى، حيث تخصّص في تدريس علم المواريث لطلاب الليسانس، وظلّ قائمًا على تدريسه حتى عام 2014.
تميّز الشيخ حسين غزال بريادته في علم الفرائض، حتى أصبح المرجع الأول فيه بلا منازع، بشهادة القضاة والمستشارين وأهل الاختصاص، واعتمدت دار الفتوى علمه مرجعًا معتمدًا في هذا الفن. وقد أثمرت جهوده العلمية عن مؤلفات بارزة، من أهمها:
«الميراث على المذاهب الأربعة» (1995)، وهو كتاب جامع في أحكام الفرائض وفق المذاهب الفقهية المعتمدة.
«الكمبيوتر في الميراث» (2010)، وهو عمل موسوعي فريد أحصى فيه مسائل الإرث وصوره، حيث بلغ عدد المسائل التي عرضها أكثر من (275,000) مسألة، محلّلًا فيها صور الورثة بدقة علمية غير مسبوقة، وقد نال بسببه الدكتوراه الفخرية من كلية الشريعة في دار الفتوى.
كما خلّف رحمه الله أثرًا علميًا واسعًا من خلال تلاميذه الذين صاروا من كبار العلماء والقضاة، ومن أبرزهم: مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان، والمفتي العلامة الشيخ خليل الميس، ورئيس المحاكم الشرعية السنية الدكتور الشيخ محمد أحمد عساف، والقاضي الشيخ طالب جمعة، والقاضي الدكتور الشيخ عبد الرحمن شرقية.
جمع الشيخ حسين غزال في سيرته بين العلم والعمل، وبين القضاء والتعليم، وامتدّ أثره في لبنان والعالم الإسلامي من خلال مؤلفاته وتلاميذه، فكان بحقّ واحدًا من كبار علماء الشريعة في العصر الحديث، ولا سيما في علم الفرائض.
رحم الله الشيخ الجليل، الذي وافته المنية في 30 تشرين الأول (أكتوبر) سنة 2022، بعد حياة حافلة بالعطاء العلمي والقضائي، ونفع الله بميراثه العلمي، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.



