مع استمرار ارتفاع سعر الذهب عالمياً إلى مستويات قياسية جديدة، تتزايد علامات الاستفهام لدى المواطنين كما لدى المحلّلين والاقتصاديين، حول الاتجاه الذي سيسلكه المعدن الأصفر في المرحلة المقبلة، نظراً لأهميته الكبيرة في الحياة الاقتصادية كما الاجتماعية.
في هذا الإطار، لا يمكن إعطاء إجابات حاسمة حول مستقبل الذهب، إذ إن حركته صعوداً أو هبوطاً ترتبط بعدد كبير من العوامل الاقتصادية والسياسية، ولا سيما العرض والطلب، والسياسات النقدية والمالية، والعوامل النفسية والمخاطر الجيوسياسية.
ناشر ورئيس تحرير Leb Economy الفونس ديب
ويزيد من حساسية المشهد الارتفاع الكبير في الأسعار خلال فترة زمنية قصيرة، ما يرفع منسوب المخاطر المرتبطة بالتصحيح أو بتبدّل بعض العوامل المؤثرة، خصوصاً على المستوى السياسي، في ظل تطورات غير متوقعة يشهدها المشهد الأميركي مع الرئيس دونالد ترامب.
عوامل الارتفاع الحالية
يمكن القول إن ارتفاع الذهب هو نتيجة تلاقي عدة عوامل اقتصادية وسياسية متشابكة، أبرزها:
1. ضعف الدولار والعوائد الحقيقية المنخفضة
يُقوَّم الذهب بالدولار الأميركي، وبالتالي فإن ضعف العملة الأميركية يؤدي إلى ارتفاع سعر الذهب بالدولارات. كما أن انخفاض العوائد الحقيقية على السندات يدفع المستثمرين إلى تفضيل الذهب كبديل آمن.
2. التضخم وعدم اليقين الاقتصادي
عند ارتفاع معدلات التضخم أو توقع استمراره، يُنظر إلى الذهب كملاذ يحمي من تآكل القوة الشرائية. كذلك، في فترات الركود أو الأزمات، يزداد الطلب عليه بوصفه ملاذاً آمناً.
3. سياسات البنوك المركزية وشراء الذهب كاحتياطي
العديد من البنوك المركزية، خصوصاً في روسيا والصين والهند وتركيا، رفعت من مشترياتها من الذهب لتنويع احتياطاتها بعيداً عن الدولار، ما يشكل دعماً قوياً للأسعار.
4. ضعف نمو إنتاج المناجم
إنتاج الذهب لا يواكب الطلب المتزايد بسبب تحديات جيولوجية وبيئية وارتفاع تكاليف الاستخراج، مما يحدّ من العرض ويدعم الأسعار.
5. التوترات الجيوسياسية والأزمات العالمية
الحروب والصراعات والعلاقات المتوترة بين الدول تدفع المستثمرين إلى تحويل أموالهم نحو الذهب كملاذ آمن.
6. الاستثمار المؤسسي وصناديق الذهب
تدفقات رؤوس الأموال نحو صناديق المؤشرات المرتبطة بالذهب ترفع الطلب المالي عليه، إلى جانب الطلب الفعلي على المجوهرات، خصوصاً في الأسواق الآسيوية.
آفاق المرحلة المقبلة
استناداً إلى المعطيات الراهنة، هناك عوامل تدعم استمرار الارتفاع خلال عام 2025، أبرزها ضعف الدولار، واستقرار أسعار الفائدة، والاضطراب الاقتصادي العالمي، إضافة إلى استمرار الطلب القوي من البنوك المركزية.
وقد رفعت بعض البنوك الاستثمارية، مثل دويتشه بنك، توقعاتها لسعر الذهب إلى 4000 دولار للأونصة بحلول عام 2026.
التحديات المحتملة
مع ذلك، لا يسير كل شيء في مصلحة الذهب. فهناك عوامل قد تكبح الصعود، منها:
• عودة الدولار إلى موقع القوة.
• تحسن النمو الاقتصادي العالمي وارتفاع عوائد الأسهم والأصول المخاطِرة.
• استقرار معدلات التضخم وتوازن العرض والطلب.
الخلاصة
يمكن الاستنتاج أن الاتجاه العام للذهب ما زال صعودياً على المدى المتوسط إلى الطويل، مدعوماً باستمرار الضغوط التضخمية والمخاطر الجيوسياسية والتيسير النقدي في العديد من الاقتصادات.
لكن الذهب ليس محصّناً ضد التذبذبات والتصحيحات، إذ يمكن لأي مفاجآت اقتصادية أو تغيّر في السياسات النقدية أن يحدّ من الصعود أو يقود إلى تراجع مؤقت.
ولا يمكن تجاهل ما يُعرف بـ “المفاجآت الترمبية”، التي قد تُحدث تأثيرات قوية على الاقتصاد العالمي وعلى الذهب تحديداً.
وفي المحصلة، وبسبب تعدّد وتشابك العوامل المؤثرة في هذه المرحلة، يمكن القول إن مسار الذهب صعودي في المدى الطويل، لكن مع احتمالية مفاجآت قد تقلب التوقعات رأساً على عقب.
ويقول أحد المحلّلين:
“بعدما لامس الذهب مستويات قياسية تقترب من 4000 دولار للأونصة، فإن من يرغب بالاستثمار فيه يجب أن ينظر إليه كاستثمار طويل الأمد، لأن الذهب على المدى البعيد هو الرابح الحقيقي”.



