على الرغم من أن الذهب سلك مسارًا انحداريًا في الساعات الأخيرة، إلا أنه لا يزال يسجّل مستويات قياسية متجاوزًا سقف الخمسة آلاف دولار، ما يطرح تساؤلات حول أسباب هذا الارتفاع الكبير في أسعار المعدن النفيس.
في حديثه إلى موقعنا Leb Economy، أكّد عميد كلية إدارة الأعمال في الجامعة الاميركية للتكنولوجيا الخبير الاقتصادي د. بيار الخوري أن الذهب مرتبط بشكل وثيق بالدولار الأميركي، وهذا الارتباط هو العامل الأساسي المؤثّر في أسعاره، إذ إن الدولار يؤثّر ويتأثّر بكل حدث يشهده العالم، فيما يُعدّ الذهب أحد الأصول التي تتفاعل مباشرة مع حركة العملة الأميركية.
وأوضح أن الدولار بات يهيمن على نسبة كبيرة من التداولات العالمية، ليس فقط داخل الولايات المتحدة، بل على مستوى العالم، حيث إن نحو نصف التداولات في المعمورة تتم بالدولار، وحتى تلك التي لا تُجرى به تمرّ به بشكل غير مباشر.
وأشار إلى أن هذه المعادلة تشكّل مشكلة بنيوية للاقتصاد الأميركي، إذ إن العملة تُنشأ أساسًا لخدمة اقتصاد الدولة التي تصدرها، بينما الدولار الأميركي يخدم الاقتصاد العالمي بأسره. وهذا الواقع يخلق كتلة ضخمة من الأموال يعجز الاقتصاد عن امتصاصها عند حدوث أي ضعف اقتصادي، فتتحوّل إلى مخاطر تضخمية وتوقعات سلبية، في حين ان الذهب تاريخيًا الملاذ الآمن القادر على امتصاص هذه المخاطر.
وفي هذا السياق، تطرّق إلى موقف الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، الذي رأى أنه مع تثبيت سعر الفائدة، الاقتصاد الأميركي يشهد نموًا وتعافيًا قويين، مع تسجيل مؤشرات إيجابية واضحة. واعتبر الخوري أن هذا الخطاب يعكس توازنًا داخل المؤسسة الحاكمة بين مقاربات اقتصادية مختلفة.
وأوضح أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يضغط بقوة بإتجاه خفض أسعار الفائدة، انطلاقًا من قناعته بأن هذه الخطوة من شأنها إطلاق نمو اقتصادي سريع، يخدم مشروعه القائم على التحرّر الاقتصادي وترك آليات السوق تتحكّم بمسار النمو. في المقابل، تتحفّظ السياسة النقدية بسبب المخاوف من التضخم، وهو ما يشكّل جوهر الخلاف بين رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول والرئيس ترامب. وأشار إلى أن باول يسعى إلى الحفاظ على علاقة متوازنة مع الإدارة الأميركية، من دون التفريط بدور الفيدرالي كسلطة نقدية مستقلة مهمتها الأساسية الحفاظ على استقرار الأسعار وعدم تعريض الاقتصاد الأميركي والعالمي لمخاطر تضخمية كبيرة.
وفي ردّ على سؤال حول تأثير خفض أسعار الفائدة على الذهب، أوضح الخوري أن خفض الفائدة يساهم عادةً في رفع أسعار الذهب، إلا أن المشهد الحالي لا يقتصر على العامل النقدي فقط. فالمخاطر الجيوسياسية، والقلق من الحروب، ومشاكل الضرائب والرسوم الجمركية، إضافة إلى اهتزاز التحالف الغربي، كلها عوامل تدفع المستثمرين والدول نحو الذهب أو نحو أصول ثابتة أخرى كالعقار. ولفت إلى أننا نعيش اليوم مرحلة عالمية يسودها اللايقين، معتبرًا أن «زمن اللايقين هو زمن الذهب».
وعن آفاق أسعار الذهب على المديين المتوسط والطويل، رأى الخوري أن استمرار غياب التسويات بين الولايات المتحدة والقوى الكبرى، ولا سيما الصين وأوروبا، إضافة إلى عدم إعادة ترتيب المشهد في الشرق الأوسط، يمنع توافر الظروف اللازمة لدعم الاقتصاد النقدي العالمي. وأشار إلى أن الإنفاق الأميركي الضخم يؤدي إلى طباعة المزيد من الأموال، ما يخلق سيولة يصعب على الاقتصاد العالمي استيعابها، خصوصًا في ظل تعافٍ اقتصادي عالمي لا يزال محدودًا ولم يستعد عافيته الكاملة منذ أزمة كورونا. وفي ظل هذه الوقائع، تتجه السيولة نحو الملاذات الآمنة، وفي مقدّمها الذهب، ما يبقي الاتجاه العام لأسعاره صعوديًا، مع صعوبة تحديد السقف الذي قد تبلغه.



