حذّر سماحة مفتي زحلة والبقاع الدكتور الشيخ علي الغزاوي خلال خطبة الجمعة التي ألقاها في بلدة السلطان يعقوب التحتا من تفاقم ظاهرة التفكك الأسري وما يرافقها من مآسٍ اجتماعية تهدّد استقرار الأسر ومستقبل الأجيال، داعيًا إلى استعادة دور الأسرة في التربية والرعاية، وتحمل المسؤولية الفردية والجماعية في حماية الأبناء وصون المجتمع.
واستهلّ سماحته حديثه بالتذكير بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾، وبقول النبي ﷺ: “كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته”, مشدّدًا على أن رعاية الأسرة أمانة تقع على عاتق الزوج والزوجة وكل من أُوكلت إليه مسؤولية، وأن حماية الأبناء تبدأ من إدراك هذه الأمانة والقيام بواجباتها.
وأشار سماحته إلى أن التفكك الأسري بات من أصعب الامتحانات التي تمرّ بها الأسر، في ظل تنامي المخاوف على استقرار العائلات ومستقبل الجيل الجديد، متسائلًا: “هل المشكلة من كثرة الأموال أم من قلّة الأموال؟”, مستشهدًا بقول النبي ﷺ: “والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تُبسط عليكم الدنيا فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم”, محذّرًا من أن الانشغال بالدنيا والتنافس على متاعها قد يصرفان الإنسان عن مسؤولياته تجاه أسرته وأبنائه.
واستذكر سماحته ما كانت تتحمّله الأم في الماضي من مشقّات وأعباء في سبيل أسرتها، من جلب الماء وصناعة الخبز والثياب وسائر شؤون المنزل، لافتًا إلى أنّ المطلوب من المرأة اليوم أن تتفرّغ لتربية ذريّتها تربيةً صالح.
ودعا إلى الاهتمام بتنشئة الأبناء والبنات على القيم والأخلاق، ومتابعة شؤونهم وتوجيههم بما يحفظهم من الانحراف والضياع.
وتساءل سماحته عن الفراغ الذي بات يعيشه بعض أفراد المجتمع، في ظل انشغال الآباء والأمهات عن أبنائهم، قائلًا: “من ربّى ومن يربّي شبابنا وأبناءنا وبناتنا؟ أنتركهم للشارع بدل الشرع؟ أنتركهم للمفاسد بدل المصالح؟”, محذّرًا من ترك الأبناء من دون رعاية وتوجيه، ومؤكدًا ضرورة حضور الأهل في حياة أبنائهم ومتابعة شؤونهم التربوية والأخلاقية.
وشدّد المفتي الغزاوي على أن العلاقة الزوجية لا ينبغي أن تتحوّل إلى ساحة يتنازع فيها الطرفان على الحقوق بمعزل عن الواجبات، محذّرًا من أن يصبح كل طرف منشغلًا بما له من حقوق من دون الالتفات إلى ما عليه من مسؤوليات. وأوضح أن :”الإصلاح يبدأ حين يسأل الزوج عن حقوق زوجته ليؤديها، وتسأل الزوجة عن حقوق زوجها لتقوم بها، ويتقي كل منهما الله في الآخر”، بما يعزّز المودة والتفاهم ويحفظ كيان الأسرة.
ودعا سماحته إلى مواجهة ظاهرة الطلاق المتكرر والخلافات الزوجية المتفاقمة، وقال: “إن مسألة الطلاق المتعدد والخلافات التي كثرت بشكل لا يُطاق بحاجة، أيها الإخوة، إلى أن نستعيد الأسرة من خلال حراك جماعي، وأن يعتبر كل فرد منا بأنه مسؤول”.
كما شدّد سماحته على أهمية تربية الأبناء ومتابعتهم وتوجيههم، مستشهدًا بقول سيدنا عمر: “لاعبه سبعًا، وأدّبه سبعًا، وصاحبه سبعًا، ثم اترك الحبل على الغارب”.
وتوقّف سماحته عند المآسي التي تكشفها المحاكم الشرعية، مشيرًا إلى أن ما يظهر فيها قد لا يمثّل سوى جزء من حجم المعاناة الاجتماعية، وقال: “أحوالنا ومآسي المجتمع في محاكمنا الشرعية، وما غاب عن المحاكم ربما هو أكثر”.
وحذّر المفتي الغزاوي من انتشار المخدرات في القرى بين الرجال والنساء، وما يرافق ذلك من ضياع للعقل والمال والأفراد، فضلًا عن تنامي مظاهر السهر والانشغال عن مسؤوليات الأسرة.
وختم سماحته بالتأكيد على ضرورة تقوى الله في الأبناء والبنات والأزواج، والقيام بأمانة الرعاية التي أرشد إليها النبي ﷺ سائلًا الله تعالى أن يجعل الأسر سليمة، وأن يحفظها من الضياع، ويصون الأعراض والذرّيات، داعيًا إلى التوبة والعودة إلى الله تعالى.
