يدخل الذكاء الاصطناعي الصفوف المدرسية في لبنان بلا قرع جرس. لا خطّة وطنية، ولا نقاش تربوي جامع، ولا حتى سؤال بسيط حول الجاهزية. فجأة، بات جزءًا من الخطاب التعليمي، ومن العروض الترويجية للمدارس الخاصة، ومن مفردات “التحديث” التي تُستخدم بكثرة، في بلد لم يحسم بعد كيفية تأمين الكهرباء والإنترنت لتلامذته. بين التعليم الرسمي والخاص، وبين الإمكانات والشعارات، يتحوّل الذكاء الاصطناعي إلى اختبار جديد لفجوة قديمة.
سياسات عالمية… وارتجال محلّي
في دول سبقتنا إلى الثورة الرقمية، بدأ النقاش يأخذ منحى معاكساً. دول أوروبية وآسيوية تعتمد سياسات تحدّ من استخدام الذكاء الاصطناعي في المدارس، أو تنظمه بدقة، خشية ضرب مهارات التفكير النقدي، والكتابة، والتعلم الذاتي لدى التلاميذ. هناك، تُطرح الأسئلة قبل الأدوات.
في لبنان، يحدث العكس. الأداة تصل قبل السؤال. يُطرح الذكاء الاصطناعي كحقيقة جاهزة، لا كخيار يحتاج إلى إعداد، في نظام تعليمي لم يتعافَ بعد من أزمات متلاحقة، من الانهيار المالي إلى الجائحة، مرورًا بالإضرابات وانقطاع التعليم الحضوري.
الخاص يروّج… والرسمي ينجو بنفسه
المدارس الخاصة، وجدت في الذكاء الاصطناعي فرصة تسويقية. دمجه في المناهج يُقدَّم كدليل على التطوّر، وكوسيلة لاستقطاب الطلاب، أحيانًا من دون معرفة معمّقة بكيفية الاستخدام التربوي السليم. في المقابل، تقف المدارس الرسمية خارج هذا السباق، لا لرفضها التطوير، بل لعجزها عن اللحاق به.
وبحسب مصادر في وزارة التربية لـ”المدن”، فإن “المدارس الرسمية يُحكى عنها بعناوين كبيرة جدًا، في وقت بالكاد يُؤمَّن فيه الكتاب لتلميذ المدرسة الرسمية”. بين خطاب التطوير وواقع العوز، فجوة لا يسدّها الذكاء الاصطناعي.
المفارقة أن الفجوة لا تنحصر بين الرسمي والخاص فقط. داخل القطاع الخاص نفسه، تفاوت واضح. مدارس تمتلك رؤية وتدريبًا، وأخرى تكتفي بالعنوان. لا معايير موحّدة، ولا رقابة فعلية، بل سباق على الصورة لا على المضمون.
هذا الخلل ينعكس مباشرة على الأساتذة، الذين يُتركون أحيانًا بلا تدريب كافٍ، ليستخدموا أدوات الذكاء الاصطناعي بشكل ارتجالي، أو كبديل عن الجهد التربوي، لا كمكمّل له.
مصادر تربوية عدة في القطاع الخاص، أكدت لـ”المدن”، أن الذكاء الاصطناعي يستخدم في المدارس من دون خطة واضحة، بل حسب كفاءة الأستاذ الذي يتمكن من السيطرة على كيفية استخدامه من قبل الطلاب..
أساتذة يدرّسون… والآلة تكتب
في مشهد أكثر دلالة، بات بعض الأساتذة يستخدمون الذكاء الاصطناعي لإعداد مواد تعليمية، إلى حدّ نسيان حذف الجملة الختامية الشهيرة: “إذا رغبت بشيء إضافي…”. جملة أصبحت توقيعًا غير مقصود لكسل رقمي متزايد. ومن بين هؤلاء، أساتذة في الجامعة اللبنانية، المؤسسة الرسمية التي يفترض بها أن تكون مرجعية في ضبط المعايير الأكاديمية، لا مثالًا على غيابها. إذ توزع على الطلاب محاضرات معدّة بالذكاء الاصطناعي بالكامل، مع سهو الجملة الختامية الشهيرة.
هنا، لا يعود النقاش تقنيًا، بل أخلاقياً وتربوياً: ما الذي نعلّمه للطلاب، حين نُظهر لهم أن المعرفة تُنسخ، ولا تُنتج؟
تقول معلمة (فضلت عدم الكشف عن اسمها) في مادة الكيمياء لـ”المدن”: “نعم، نستخدم الذكاء الاصطناعي في بعض الأحيان ولكن لا يمكننا الاتكال عليه 100%، فهو يخطئ في الكثير من الأحيان”.
ذكاء بلا عدالة
في ظلّ غياب أي سياسة وطنية واضحة للتعليم الرقمي، تبدو وزارة التربية عاجزة ليس عن وضع خطة تربوية وطنية شاملة لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي فحسب، بل حتى عن تأمين أبسط مقوماته في القطاع الرسمي، حيث لا توجيهات ملزمة ولا خطط قابلة للتنفيذ، فيما يتحرّك القطاع الخاص بمنطق السوق والترويج، ويُترك الرسمي لإدارة الحدّ الأدنى من البقاء. يحدث ذلك في بلدٍ لا يتوافر فيه الإنترنت للجميع، حيث يُطلب من تلميذ في مدرسة رسمية في الأطراف أن “يواكب” أدوات تعليمية متقدمة من دون اتصال ثابت بالإنترنت أو جهاز أو بيئة رقمية داعمة، وكأن الفجوة الرقمية تفصيل ثانوي. هكذا، لا يعود الذكاء الاصطناعي أداة تطوير بقدر ما يتحوّل إلى عامل إقصاء إضافي، يُفرغ خطاب المساواة في الفرص من مضمونه، ويحوّل “الحداثة التعليمية” إلى امتياز لا حق. فالمشكلة في لبنان ليست في الذكاء الاصطناعي بحدّ ذاته، بل في غياب الوعي بكيفية استخدامه: حين يُطرح كبديل عن التفكير لا كأداة له، وحين يُستَخدم كوسيلة ترويج لا كسياسة تعليمية، يصبح جزءًا من أزمة أعمق في بلد لم يحسم بعد دور مدرسته الرسمية ولا معنى العدالة التعليمية.
بقلم نغم ربيع
المصدر:المدن
