لم يكن خبر توقيف نوح زعيتر بين بلدتي الكنيسة ومقنة حدثًا عاديًا، بل محطة مفصلية في مسار واحد من أكثر المطلوبين إثارة للجدل في البقاع ولبنان. العملية التي نفذتها مخابرات الجيش عصر أمس جاءت بتكتيك احترافي، إذ أوقف زعيتر بينما كان يقود سيارته بمفرده، بلا مرافقة ولا حماية.
هذا التفصيل وحده فتح الباب أمام فرضية تسليم نفسه، خصوصًا بعد الأشهر الأخيرة التي شهدت سلسلة واسعة من المداهمات والتوقيفات، وسقوط معظم الشبكات المرتبطة به، وبينهم أقارب ومقرّبون. وكأن الحلقة التي طالما نجح في الإفلات منها بدأت تضيق عليه تدريجيًا، وصولًا إلى هذه اللحظة.
وُلد نوح زعيتر عام 1977 في تعلبايا، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى الكنيسة والشراونة في بعلبك، حيث نسج نفوذه وشبكاته. منذ بدايات شبابه، ظهر اسمه في عالم تجارة المخدرات وزراعة الحشيشة، قبل أن يتحوّل خلال السنوات العشر الأخيرة إلى أحد أبرز الأسماء في البقاع ملقبًا بـ “بارون الحشيش”، وإلى رمزٍ لشبكة واسعة ممتدة عبر البلدات والمحافظات ومتجاوزةً الحدود. كان يُنظر إليه كجزء من بيئة اقتصادية – أمنية موازية للدولة، يمتلك القدرة على تأمين العمال والآليات ومساحات الزراعة، ويشرف على عمليات التصنيع والتوزيع والنقل والتهريب.
مع مرور الوقت، أصبح زعيتر أكثر نفوذًا. تشير المعطيات المتداولة منذ سنوات إلى علاقة وثيقة جمعته بـ “حزب الله”، حيث كان يجمع إلى موائده نوابًا ومسؤولين من “الحزب”، إضافة إلى عمائم وشخصيات، ما أعطاه مساحة حركة كبيرة داخل مناطق نفوذ “الحزب”، خصوصًا في البقاع الشمالي. لكن العلاقة الأعمق كانت مع الجانب السوري في عهد النظام الهارب، وتحديدًا مع ماهر الأسد، حيث ربطت بينهما مصالح مالية وتجارية قائمة على تهريب المخدرات وتبادل الحماية. وخلال سنوات المداهمات الكبرى في البقاع، كان نوح يختفي لساعات ثم يظهر في دمشق أو ريفها، في وقتٍ كانت فيه معابر القلمون مفتوحة أمام تحركاته.
ورغم كل المداهمات التي تعرّض لها، لم تنجح القوى الأمنية في توقيفه على مدى سنوات. اقتُحمت مزارعه ومنشآته لتصنيع المخدرات، وضُبطت سياراتٍ له مرات، واستُهدفت منازله عشرات المرات، وقُتل عدد من أفراد مجموعته، لكن الرجل نفسه كان دائمًا أبعد من قبضة الدولة. كان يتحرك بموكب أشبه بموكب مافيات دولية، سيارات مصفحة وأخرى مجهّزة، عناصر مدججون، ومسارات طرق بديلة لا تعرفها إلا الدائرة الضيقة حوله. فتنقلاته كانت سرية إلى حدّ أن بعض بلدات البقاع لم تكن تعرف بوجوده فيها إلا بعد مغادرته.
تراكمت بحقه عشرات مذكرات التوقيف: تجارة مخدرات، تصنيع، تهريب، إطلاق نار، تشكيل عصابات مسلحة، مقاومة سلطات، إضافة إلى أحكام غيابية وصلت إلى السجن المؤبد والأشغال شاقة. ومع ذلك، ظلّ حاضرًا في الحياة اليومية والاقتصادية في المنطقة. امتلك مشاريع تجارية واستثمارات وعقارات موزعة على عدة مناطق لبنانية، بعضها معلن وبعضها الآخر مسجّل بأسماء مقرّبين.
لكن الأشهر الأخيرة حملت تحوّلًا كبيرًا، فالدولة شدّدت قبضتها، نفذت عمليات دقيقة، صادرت ممتلكات ومخازن، وأطبقت على الحلقة المحيطة به. بدا وكأن منظومته تتآكل من الداخل. ومع مقتل وتوقيف أقرب الناس إليه، لم يعد أمام زعيتر الكثير من الخيارات، ومع ذلك ظلّ السؤال قائمًا: هل سقط فعلًا في عملية نوعية، أم سلّم نفسه تحت ضغط الظروف؟
ما هو مؤكد أن توقيف نوح زعيتر اليوم يطوي واحدة من أطول صفحات الفلتان الأمني في البقاع، ويفتح بابًا جديدًا في مقاربة الدولة لملف المطلوبين، وربما في حسابات كثيرين طالما اعتقدوا أن الهروب يمكن أن يستمر إلى الأبد.
المصدر: نداء الوطن



