تجربة انطلقت من شتورا هذه البلدة الصغيرة في البقاع التي تشكّل نقطة عبور حيادية، تمثل لبنان بتنوّعه، وتُحاط بتناقضات في السياسة تجعل من حضور الدولة تحدّيًا يوميًا. ومع ذلك كسرت شتورا منطق “الكانتون” وانتزعت الفضاء العام من سطوة الشعارات. فتحوّلت حاضنة أعمال صغيرة، تُختبر فيها القوانين وقدرة الدولة على فرض هيبتها عندما تتوفر الإرادة. وتحوّلت مع مستديرتها إلى مساحة خضراء تشبه رؤيتها عن دولةٍ ممكنة.
قبل أسابيع ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي بصورة شاركها رئيس بلدية شتورا ميشال مطران، لرجل ضبط “بالجرم المشهود” وهو يقضي حاجته على طرف الطريق العام. انقسم الناس بين من أيّد تعقبه قانونيًا عبر تحرير محضر ضبط به، ومن لم يستسغ نشر صورته، ومن لام غياب المراحيض العامة. فتحوّل “سلوك البلدية” إلى مادة جدل تلقفتها لتثبت عزمها على تطبيق إرادتها في جعل ممرّ البقاعيين بهذه المنطقة “نموذجيًا”.
لم تكن هذه الحادثة الوحيدة التي تثير الجدل بل استخدمت البلدية وسائل التواصل الاجتماعي كوسيلة ردع تقوم على فضح أي مخالفة ترتكب في نطاق البلدة، مع استخدام الحق بتغريم الناس متى تكرّرت مخالفاتهم. أزالت التعدّيات بالصور والشعارات على الأماكن العامة. نظمت السير، وعززت النقل العام، أطلقت حملة للفرز المحلي للنفايات، لاحقت مخالفي إشارات السير، وغرّمت من يرمي ولو محرمة من السيارة. فرضت شروطها في تنفيذ المشاريع العامة، وحرّرت ضبطًا حتى بمؤسسة مياه البقاع عندما خالفت معاييرها.
المجتمع يستعيد “وهرة” الدولة
ما تحقق أن المارّين في شتورا، من كل “كانتوناتهم”، التزموا بالقانون فيها. السائق تأدّب. الدرّاج وضع الخوذة. وأهل القرى المجاورة غيّروا سلوكهم المتمرّد على الأنظمة. فحبسوا حاجاتهم حتى الجسديّة إلى ما بعد خروجهم من “منطقة الخط الأصفر”. وهكذا بدأ الناس يخافون من رمي ولو محرمة في الشارع، ليس فقط لأن الشرطي قد يحرّر ضبطًا، بل لأن الفعل صار مدانًا اجتماعيًا أيضًا. وهذا ما سمح للمجتمع أن يساعد الدولة في استعادة “وهرتها” ومن دون ميزانيات ضخمة. وثبّتت شتورا أنه حين تُطبَّق مبادئ المحاسبة بشفافية وعدالة، يولد فعلًا سلوك جديد عند المواطنين.
المواطن ينتظركم بفارغ الصبر
مع أن “زيح” شتورا ينقطع بوسط الطريق ما إن ينتهي نطاقها سواء من جهة تعلبايا – سعدنايل، أو طريق المصنع- برالياس، أو جديتا – المريجات، فهو لم يشح النظر عمّا تشكّله البلديات من جسر يقرّب مفهوم الدولة من المواطن. إلّا أن ذلك لا شك يتطلّب الانتقال بإدارتها من عقلية الزبائنية الانتخابية إلى عقلية بناء المؤسسات. حتى تتمكن البلديات من المضي بعملها إلى أبعد من تزفيت حفرة أو إنارة مصباح، نحو بناء الدولة بدءًا بالقاعدة.
ومع ذلك، يبقى تعميم هذه التجربة نحو سلوك بلدي شامل، بحاجة إلى دعم مركزي فعلي، وإلى تعاون اتحادات بلديات قوية، وإلى صلاحيات أوسع تعطى للبلديات، وتمويل مستقر. وإلّا فإنه بدون هذا التكامل، يمكن أن يتحوّل تساؤل اللبنانيين عن سر نزعة اللبنانيين للالتزام بالقوانين إلّا في بلدهم، إلى تساؤل عن سبب التزام الناس بقوانين وأنظمة بلدهم في شتورا، ولا يعيرونها أهمية حتى في أقرب محيطها.
