كتب عيسى يحيى في نداء الوطن،
تقف بعلبك الهرمل في مواجهة مشهدين متلازمين: تصاعد الحرب الإقليمية التي تضعها على خط النار، وتواصل الحرمان والركود الإنمائي المزمن، رغم الفوز المطلق لـ “حزب الله” في المجالس البلدية. وبين مطرقة التهديد الإسرائيلي وسندان غياب الدولة، يجد سكان المنطقة أنفسهم أسرى معادلة لا ترحم، تضعهم في موقع المتلقي الدائم للأزمات دون أي بصيص لحلول فعلية.
من الجنوب إلى البقاع، لا تبدو الجغرافيا اللبنانية تملك ترف الحياد في زمن التصعيد بين إسرائيل ومحور المقاومة، ومع اشتداد نيران الحرب وتوسع الضربات، تتزايد المخاوف من نقل المعركة إلى العمق اللبناني، في حال قرر “حزب الله” الدخول على خط مساندة إيران، وهو ما يجعل بعلبك الهرمل بما تمثله من وزن استراتيجي لـ “الحزب”، وخزان شعبي وعسكري، وموقع جغرافي متصل بسوريا، هدفًا محتملًا في أي مواجهة قادمة.
لا تخفي بعلبك الهرمل قلقها هذه الأيام، فالأحاديث في المجالس والشوارع لم تعد محصورة بالشكوى من غياب الخدمات، أو من واقع البنى التحتية المتردية، بل باتت مغموسة أكثر بمخاوف الحرب المقبلة، واحتمال توسع رقعتها لتطال شظاياها الداخل اللبناني، سيما وأن المناطق الحدودية المتاخمة للحدود السورية، والتي تشكل خط تماس جغرافي، تعرضت على مدى الفترات الماضية التي تلت اتفاق وقف إطلاق النار إلى ضربات إسرائيلية. وفي منطقة دفعت كلفة عالية من دم أبنائها، وارتبطت بعلاقة وثيقة مع محور المقاومة، يبدو أن الخطر لم يغادرها يوماً، تهتز ركاب أبنائها عند كل تفجير يقوم به الجيش اللبناني لمخلفات حرب أيلول، ظناً أن غارة إسرائيلية قد استهدفتها، ما يضعها على شفير التشنج والخوف من تكرار السيناريو الذي رافقها على مدى ستة وستين يوماً.
ليس الحديث هنا عن احتمالات سياسية مجردة من أية أسباب، بل عن واقع يلمسه الأهالي من خلال تحليق المسيرات الإسرائيلية التي لا تغادر المنطقة، أو من الأصوات التي تهزّ سماءها من جراء الصواريخ الاعتراضية، والانكفاء الاقتصادي الذي يرافقه البحث عن أماكن أكثر أماناً تحسباً لأي طارئ. وعليه لا تظهر جدية الاهتمام بالمنطقة من ناحية الخطط التنموية أو احتمالات وقوع المحظور العسكري، وتدفعان بالمعنيين سواء الدولة أو الأحزاب الفاعلة إلى الوقوف على تلك المخاوف وبحث الحلول لها. فبعلبك الهرمل التي تستخدم غالباً في الخطابات السياسية كعنوان للصمود والوفاء تعاني من تراجعٍ في أبسط مقومات الحياة.
يتقاطع في المنطقة خطران متوازيان، خطر الحرب وخطر الإهمال، وإذا كانت الحرب احتمالاً مرتبطاً بتطورات خارجية، فإن الإهمال واقع ثابت تكرّسه السياسات الداخلية، حيث تترك المنطقة رهينة المعادلات الأمنية والولاءات السياسية، من دون أي خطط إنقاذ فعلية. ولعل الأخطر من الحرب نفسها أن يشعر الناس بأنهم وحدهم في الميدان، وهذا ما بدأ يتسلل إلى النفوس حيث يتراجع الأمل بمستقبل أفضل، ويحلّ مكانه شعور بالإقصاء والتهميش، يغذيه أداء رسمي باهت، وخطاب سياسي يغدق الوعود ويقصر في التنفيذ.
وفي ظل هذا الواقع، يعبرّ أبناء المنطقة عن خيبتهم وإن بصوت خافت، فالبعض يرى أن السياسة تبتلع الإنماء، وأن الحرب تستهلك ما تبقى من موارد، فيما يعتبر آخرون أن لا خلاص إلا بالخروج من الاصطفافات الكبرى وفرض أجندة إنمائية حقيقة. ووسط هذا الانهيار تبقى إعادة إعمار ما دمرته الحرب عبئًا ثقيلًا مؤجلًا، فلا الدولة قادرة على تحمّله، ولا الحزب متفرغٌ له، كأن الوجع الذي خلفته المعارك قد كتب عليه أن يُهمل أو ينسى عمداً.
تقف بعلبك الهرمل اليوم على مفترقٍ دقيق، إما أن تدرك الدولة ومعها القوى السياسية الفاعلة في المنطقة أن التهميش لم يعد يحتمل، أو أن يترك سكانها مرة جديدة يدفعون الثمن بصمت كما في كل مرة.



