لبنان وأوليغارشية الطوائف – فرصة للخروج من دائرة الفساد والمحاصصة.

د. إسحاق أندكيان ،

جرت العادة عند إنتهاء ولاية رئيس الجمهوريّة في الولايات المتّحدة الأميركيّة أن يلقي الرئيس كلمة وداع يتحدّث من خلالها إلى شعبه ويلخّص الإنجازات والإخفاقات في كافة المجالات خلال إدارته البلاد ويتمنّى التوفيق للرئيس المقبل. تماشيا ً مع هذه العادة الرئاسيّة، كان للرئيس جو بايدن كلمة نهار الأربعاء الماضي تطرّق فيها للأخطار المحدقة بالولايات المتّحدة مسلّطا ً الضوء على تنامي الأوليغارشيّة في الإدارة القادمة للرئيس ترامب ومدى تأثير ذلك على الحياة الديموقراطيّة والحقوق الأساسيّة والحريّات في الولايات المتّحدة الأميركيّة. حّذر الرئيس بايدن من تنامي دور “المجمع الصناعي التكنولوجي” في إشارة إلى تنامي دور شركات ومنصّات التواصل الإجتماعي والثراء الفاحش لكبار المسؤولين التنفيذيّين فيها في الحياة السياسيّة الأميركيّة دون أن يسمّيهم. طبعا ً الرئيس بايدن أشار بشكل غير مباشر إلى إيلون ماسك الذي أنفق حوالي مئتي مليون دولار لدعم حملة الرئيس ترامب وجيف بيزوس مؤسّس وصاحب شركة أمازون التي تملك “أمازون برايم فيديو” والتي حصلت على حقوق الترخيص الحصرية لبث الفيلم الوثائقي الجديد للسيدة الأولى ميلانيا ترامب وإصداره في دور العرض بالإضافة لمارك زوكربيرغ الذّي يسعى جاهدا ً لتحسين العلاقات مع ترامب قبل عودته إلى البيت الأبيض من خلال إستضافة مارك زوكربيرغ حفل عشاء مع المانحين الجمهوريين الأثرياء الأسبوع المقبل بعد حفل تنصيب الرئيس ترامب.

تعريف الأوليغارشية

بتعريف بسيط، الأوليغارشيّة مصطلح سياسي من جذور يونانيّة تعني أنّ قلّة ثريّة من الناس تحكم البلاد. إرتبط مصطلح “الأوليغارشيّة” في الآونة الأخيرة برجال الأعمال الروس بعد سقوط الإتحاد السوفياتي وإستلام بوريس يلتسن زمام الحكم في روسيا والسماح للمتموّلين ورجال الأعمال الأغنياء السيطرة على الحياة السياسيّة في روسيا والإستحواذ على المقدّرات الإقتصاديّة في روسيا مع ما رافق ذلك من فساد وصفقات مشبوهة وسرقات وإختلاسات للمال العام. وكما إنتشرت الأوليغارشيّة في روسيّا بعد إنهيار الإتحاد السوفياتي، إنتشرت أيضا ً في لبنان – ولكن بنكهة ٍ طائفيّة – عقب إنتهاء الحرب الأهليّة وتوقيع إتفاق الطائف.

الأوليغارشية بين الولايات المتحدة ولبنان

إذا ما إنتهجنا المنهج القياسي أو إعتمدنا المقارنة والتباين بين الولايات المتّحدة الأميركيّة ولبنان من زاوية الأوليغارشيّة، نجد أنّ الأوليغارشيّة في لبنان لها مفهوم آخَر معكوس. في حين أن الأوليغارشيّة في الولايات المتّحدة الأميركيّة تتمثّل بدخول وتدخّل الأثرياء ورجال الأعمال في الحقل السياسي، نجد أنّ الأوليغارشيّة في لبنان تتمثّل بدخول أهل السياسة إلى حقل الأعمال والتجارة والصفقات بغطاء وستار طائفي ليغتنوا بسبب “السياسة” فتتحول السلطة معهم إلى وسيلة للإثراء الشخصي عبر المحاصصة والفساد. فالأوليغارشيّة في لبنان لها طعم طائفي مع ما يصحبها من محسوبيّة ومحاصصة وفساد مشترك (الأوليغارشيّة الطائفيّة)، يغتني المرء عبرها بعد دخول المعترك السياسي لا العكس كما في الولايات المتّحدة كما أسلفنا شرحه بإيجاز أعلاه.

فرصة للخروج من الأزمة

مع إنتخاب العماد جوزاف عون رئيسا ً للجمهورية وتسمية القاضي والسفير نواف سلام رئيسا ً للحكومة، تلوح في الأفق فرصة حقيقية وجدّية لكبح جماح الأوليغارشيّة الطائفيّة والتخفيف – حتّى لا نقول القضاء – من شهيّتها المفرطة وشراهتها على المحاصصة والفساد كما جرت العادة. يظهر ذلك جليّا ً من خلال أداء الرئيسين عون وسلام لغاية الآن ومقاربتهما للإستحقاقات الدستوريّة لا سيّما الإستشارات النيابية لتسمية رئيس الحكومة بحرفيّة ونجاح بالإضافة لخطاب القسم لفخامة الرئيس وخطاب قبول التسمية من قبل دولة الرئيس والدعم الدولي وإصرار المجتمع الدولي للإحاطة بلبنان سياسيّا ً وإقتصاديّا ً.

الطبقة السياسية التقليدية التي خذلت اللبنانيين لسنوات وتسبّبت بالإنهيار المالي والإقتصادي وضياع مدخرات العمر للكثيرين تبدو أمام تحد ٍ حقيقي. المواطنون يطالبون بإصلاحات جذرية لا بسياسات ترقيعيّة كما جرت العادة. لم يعد بالإمكان الإستمرار بالنهج القديم؛ الواقع الجديد يفرض محاسبة الفساد وإنهاء هيمنة الأوليغارشية الطائفية. يبدو أنّ الرياح للسنوات الستّ القادمة لن تجر ِ كما يشتهيه أوليغارشيّو الطوائف. فكما يقال بالإنكليزيّة:

It is not business as usual anymore

 

Exit mobile version