تسونامي من اللبنانيين والسوريين اجتاح، منذ صباح أمس، شوارع بيروت ومعظم المدن والبلدات والقرى من العاصمة شمالاً، إلى طرابلس وعكار، وشرقاً إلى البقاعين الغربي والأوسط، وجنوباً إلى صيدا، مروراً ببلدات إقليم الخروب وقراه.
أهالي الطريق الجديدة، معقل تيار المستقبل ومحبّي «أبو بهاء»، أطلقوا العنان لحناجرهم فرحاً بسقوط الرئيس بشار الأسد، معلنين «تحقق العدالة» في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري. ونُظّمت في الملعب البلدي فعالية، تخلّلها إطلاق النار ابتهاجاً، ورفع أصوات الأناشيد، ترافقت مع تكبيرات صدحت من مساجد المنطقة. المحتفلون توحّدوا حول عبارات مثل «سقوط الأسد شفى غليلنا»، و«حقّق العدالة لعائلات وأحبّة كل الذين يتهمون النظام السوري باغتيالهم». بين المتجمهرين شابة تمنّت لو كان والدها على قيد الحياة «ليشهد سقوط النظام الذي عمد إلى خطفه مراراً، وفرض على عائلته دفع مبالغ مالية كبيرة في كل مرة لتحريره». ويقول صديق لها: «لديّ أعمام وأولاد أعمام مختطفون في سوريا منذ الحرب الأهلية، ترتفع لدينا الآمال بلقائهم».
من خلدة إلى صيدا وإقليم الخروب، كان المشهد واحداً. أصوات المفرقعات الناريّة وطلقات الأسلحة النارية لم تهدأ منذ ساعات الصباح حتّى الليل، مع مواكب سيارة وساحات رقص. ورغم توحّد الساحات احتفالاً، إلا أنّ لكلّ مجموعة أسبابها. أحدهم، يحمل علم تيّار المستقبل، قال إنّ «هذا النظام قتل الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ومعه العديد من الشخصيّات السياسيّة والأمنية التي نادت بالاستقلال، وهذا النّظام أيضاً ظلم الرئيس سعد الحريري وتآمر ضدّه». وهو ما يكرّره خمسيني كان يحمل علم الجماعة الإسلاميّة في ساحة برجا، معتبراً أنّ «نظام الأسد ارتكب المجازر ونمّى الخلافات الطائفيّة»، مسترجعاً «مجازر الأسد الأب ضد الإخوان المسلمين». يُهلّل الرّجل بعد سنواتٍ من الظّلم بحق الشعب السوري. ولدى سؤاله عن التقاطع مع ترحيب العدوّ الصهيوني بسقوط الأسد، يشيح بوجهه، مؤكداً أنّ «النظام الجديد سيُنصف فلسطين، فيما نظام الأسد حرس الجولان على مدى السنوات السابقة ولم يُطلق طلقة واحدة على العدو».
المشهد نفسه تكرّر في شحيم وسائر قرى الإقليم، حيث تجمّع أبناء البلدات في شوارعها، ليرقصوا على أنغام الأغاني الثوريّة، فيما الشبّان كانوا يجولون على متن دراجاتهم الناريّة وسياراتهم وشاحناتهم في الشوارع الضيّقة، حاملين العلم السوري وصور الرئيس رفيق الحريري. أحد هؤلاء رفع صور الحزب التقدمي الاشتراكي، مردداً أنّ «العدالة الإلهية كانت كافية للثأر لدم المعلم كمال جنبلاط».
كلّما سكتت الأغاني، يصدح صوت الموجودين في كترمايا، مكرّرين عبارة «الله أكبر». بالنسّبة إليهم، «هو نصر في رؤية رحيل طاغية نشر الظلم في لبنان وسوريا». الحديث نفسه يتكرّر على ألسنة أبناء البلدات المسيحيّة الذين نزلوا أيضاً إلى السّاحات، معتبرين أنّ «الانتقام اليوم هو للإجحاف الذي طاولنا خلال مرحلة وجود الجيش السوري في لبنان، وللمجازر التي ارتكبت بحقنا خلال مشاركة القوات السورية في الحرب الأهلية».
الفرح يعلو وجوه الموجودين في ساحات القرى، إلى حدّ عدم تفريق اللبنانيين عن السوريين. أما في ما يتعلق باليوم التالي في سوريا، فإنهم يرون أنّ «اليوم هو يوم الفرح، وأن الفصائل المعارضة أثبتت أنّها لم تحول سوريا إلى شلال دماء، بل كانت حكيمة في تعاطيها مع مسؤولي السلطة الحاكمة، وهو ما ينبئ بمستقبل أفضل»، مضيفين أنّ «فرحهم الحقيقي هو عند مغادرة لبنان إلى سوريا بعد سنوات من التهجير».
الاحتفالات امتدّت أيضاً إلى صيدا، حيث تجمهر أبناؤها في الشوارع والساحات. أحد أصحاب الدّكاكين في ساحة النجمة ذكّر بوجود القوات السورية في لبنان، وبالظّلم الذي لحق حتّى يالمقاومين، معتبراً أنّ «هروب الأسد هو بمثابة انتصار حقيقي بعد سلسلة من الهزائم».
وعلى مقربة من مثلث خلدة، تجمّع شبان من العشائر العربيّة، على وقع الأغاني الثوريّة، حاملين صور الرئيسين رفيق وسعد الحريري وأعلام تيار المستقبل، وقد قطعت الطريق لبعض الوقت. كما انضمّ أحد وجهاء العشائر العربيّة في خلدة، الشيخ رياض ضاهر الملقّب بـ«أبو زيدان»، إلى المتجمهرين، فبارك «هذا النصر»، داعياً «شركاءنا في الوطن إلى عدم التكابر وإلى عدم الانجرار إلى الفتنة لأن إسلامنا يدعونا إلى التواضع وعدم الحقد، والعودة إلى الدولة ومؤسساتها والالتفاف حول الجيش»، مشدّداً على «ضرورة الحفاظ على شركائنا»، متمنّياً على الرئيس سعد الحريري العودة إلى وطنه. واعتبر أنّ «دماء المفتي حسن خالد والرئيس رفيق الحريري ووسام الحسن انتصرت اليوم».
كما عمّت الاحتفالات عرمون وبشامون، حيث نزل السكان إلى الشوارع. وشملت الاحتفالات مختلف بلدات وقرى البقاعين الأوسط والغربي، وخصوصاً في قب الياس وسعدنايل وغيرهما، وكذلك ساحة النور في طرابلس وقرى عكار.
الأخبار :تسونامي المحتفلين يجتاح المناطق اللبنانية
